Ahora he descubierto
Mi deseo de trazar una lápida en el pecho
(Aquí descansa en paz después de haber enterrado su ultimo fantasma)


الآن و بعد أن أريتُكم نفسي ؛
بي رغبةٌ في رسمِ شاهِدِ قبرٍ على صدري
( هنا يرقدُ في سلامٍ بعد أن دفنَ آخِرَ أشباهِهِ )

Now that I have uncovered myself;
My desire to draw a Gravestone on my chest
(Here rests in peace after he buried last fellows)

My Great Web page

الجمعة، 17 يونيو 2011

القصيدة التشعبية – اسم جنس أدبي أم اسم تقنية ؟


القصيدة التشعبية – اسم جنس أدبي أم اسم تقنية ؟

علي الدمشاوي

رئيس مؤسسة تودوسناس الثقافية سكرتير حركة شعراء العالم بقطر


ظهر في العقدين الأخيرين شكل من الكتابة الشعرية التي تعتمد إحدى تقنيات الشبكة العنكبوتية أداة إبداعية أساسية في خلقها و هي تقنية الروابط التشعبية - والرابط Link أو الوصلة كما عرفه معجم مصطلحات الانترنت هو كلمة تستخدم  في سياق الحديث عن شبكة ويب، للدلالة على نص أو صورة، يمكن بتفعيلها الوصول إلى مكان آخر في الصفحة ذاتها أو في خارجها. ويمكن تفعيل الوصلة بالنقر عليها بالماوس (معجم مصطلحات الانترنت، 2010) 1
و قد استعصى على الباحثين الاصطلاح على مسمى نهائي لهذا الشكل الأدبي و الحق أنه أمر عصي على الاتفاق فإضافة إلى أزمة المصطلح التي نعانيها في أدبنا العربي فيما يفترض أنها إشكاليات تم تناولها بالبحث لقرون  فكيف بنا و نحن نسعى لإيجاد مسمّى لشكل أدبي حديث الخلق بالعالم و لا سيما بعالمنا العربي أضف إلى ذلك كون التقنية الحديثة رافدا أساسيا و لا يخفى على معظمنا بعد متخصصينا في علوم الآداب عن مجال الانترنت نحن هنا بصدد عرض سريع لما نسميه مقترحات لمصطلحات كثر استخدامها و عند الحديث عن القصيدة التشعبية و هو المصطلح الذي نراه أقل إشكالا و أصلح للتسمية من غيره.
في البدء لزم التنويه عن كنه تلك الكتابة الشعرية التي باتت متداولة على صفحات الانترنت و هي في سيادتها نصوص شعرية تحوي روابط تشعبية بالضغط على أحدها تفتح صفحة جديدة بفراغ الكتروني إبداعي جديد .
و فيما يلي تفصيل لأكثر ثلاثة مصطلحات انتشارًا .
القصيدة الإلكترونية :
و هو من أقدم المسميات التي أطلقت على هذا النص و قد كانت سائدة في بداية ظهور هذا الشكل من الكتابة نظرًا لانتشار الكلمة (الإلكتروني) حيث باتت تضاف لأي شيء و كل شيء دون تمييز حقيقي للمعنى الأصلي للكلمة و كأنها صفة مرجحة و لعل القاريء يذكر انتشار القواميس الاكترونية و المصاحف الالكترونية و حتى الكتب الاكترونية  E-Books التي سوقت بنجاح في خلال العقدين السابقين .
و أنا نفسي استخدمت هذا المصطلح عندما عرضت قصيدتي الأولى من هذا النوع للمناقشة مع  الأساتذة الدكتور / أمجد ريان و الدكتور / جمال التلاوي في سنة 1996 و 2002 بالتوالي فقد كان المصطلح قد بات شائعًا بحيث أصبح تسويقيًا أكثر منه تصنيفياً.
و الحقيقة أن النص الإلكتروني هو كل نص ينتج أو يكتب بوساطة أداة إلكترونية كالحاسوب المنزلي أو المحمول أو حتى الهواتف الجوالة و هذا يضعنا أمام حقيقية أن النص الشعري العادي إذا تم نقله من فراغ الورقة إلى صيغة يصلح تداولها على الأجهزة الإلكترونية أصبح نصًا إلكتيرونيًا ينسحب هذا بطبيعة الحال على جميع النصوص الأدبية و غيرها و اليوم يتم تداول الملايين من النسخ الإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية.
و من ثم نرى أنه مصطلح أعم و أشمل مما نحن بصدده.
القصيدة التفاعلية :
و قد ذهب هذا إلى استخدام هذا المصطلح العديد من الباحثين العرب مثل الدكتورة / فاطمة البريكي و هي تناقش قصيدة الشاعر مشتاق عباس معن في معرض أبو ظبي للكتاب في العام 2007 و هي أول قصيدة عربية تنشر معتمدة تقنية الرابط التشعبي .
و قد افترضت الدكتورة أن هذا الشكل من النصوص يفتح آفاقًا جديدة لتفاعل إبداعي من قبل المتلقي إذ صار بإمكان المتلقي أن ينتقي رابطا من النص الأصلي ليقوده ربما لصورة أو لنص متشعب جديد و قد يفضل ألا يضغط الرابط فيستمر في سياق النص الأول و عليه اعتمدت تسمية النص التفاعلي أو القصيدة التفاعلية و على الرغم من أن ما قدمه الشاعر العراقي مشتاق عباس معن كان أشبه ما يكون بروابط المحتويات بالكتاب الورقي فالمصطلح ما زال سائدًا لليوم .
و ما نراه على هذا المصطلح أنه يخص هذا النوع من الكتابة دون غيره بالتفاعلية متكئا على الشق الأدبي الإبداعي في القصيدة و هو أمر غير دقيق لأنه بالتبعية يجرد النص الورقي من صفة التفاعلية و من يقول أن قاريء القصيدة المطبوعة ورقيًا لا يتفاعل اختياريا مع النص و لندلل على هذا في عجالة نشير سريعا إلى الأدب الرمزي مثلا حيث يكفي للقاريء أني يبني تصوره في حرية تامة بناءً على حله لشفرة النص الأصلي و من ثم يكون بإمكانه استقراء النص على أنه من الأدب السياسي أو العاطفي أو غيره .
و القاريء حين يبدأ تصفح ديوان شعري من جهة المحتويات فينتقي قصيدة بناءً على اسمها ليقرأها أولا ثم يتابع هو يؤدي أيضا أداءً تفاعليا بالمقياس ذاته.
إذن فإن مسمى النص التفاعلي لم يقدم لنا ما نبحث عنه .
القصيدة التشعبية :
و من أسبق الباحثين لهذا المصطلح الدكتورة / عبير سلامة و هو أكثر التسميات ذكاءً ومناورة و أقربها للدقة في رأينا ذلك لأنه اعتمد الصفة التقنية المميزة للنص في تسميته فالصفة المميزة لتلك النصوص أنها تحوي روابط تشعبية Hyper links هذه الروابط هي كما قلنا بمثابة مسالك تتشعب من النص الأصلي بالضغط عليها تنقل القاريء لصفحة جديدة و فضاء إبداعي جديد و ليس مجرد طرح نصي موازي .
و هنا تبدو الأمور في محلها فالقصيدة التشعبية هي قصيدة  التي تحتوي روابط تشعبية تقودك لمنطقة إبداعية جديدة و بطبيعة الحال ليس حتميًا أن يكون الفضاء حرفي بل ربما كان صوتيًا (ملفات صوتية) أو مرئيًا (فيديو- صور ثابتة) أو غير ذلك مما تجود  به قارئح المبدعين.
و هو مصطلح ينقي أجواء الاختلاف حيث يصف القصيدة التي تعتمد تقنية الروابط التشعبية دون غيرها بمعنى أنه لا يجب أبدا مد نطاقه ليشمل قصائد أخرى تطرح على الانترنت مستفيدة من تقنيات جديدة غير الروابط التشعبية .
و هنا وجب التمييز بين ما قدمه رفعت سلام في تجربته المتجاوزة وقتها من اعتماد الهوامش بحيث كانت نصف الصحة الأيمن يحوي النص و نصفها الأيسر المفصول بخط طولي يحوي هامشا يطرح نصا موازيًا للنص الأصلي موازيا على مستويي فراغ الصفحة و الإبداع الشعري و بين ما يفترض أن تطرحه القصيدة التشعبية مستفيدة من تقنيات الروابط التشعبية و غيرها .
فليس مفترضًا أبداً أن يكون النص في خدمة تقنية ما تصادف أن أتيحت ، نحن نتكلم هنا كما نوهنا أول المقال عن نص يعتمد التقنية أداة من أدوات الإبداع كالصورة الشعرية و التشكيل اللفظي و الصوتي و غيرهم.

وهكذا يتبدى لنا أن جل ما وصلت إليه اجتهادات الباحثين في تسمية النص هو تسمية لإحدى تقنيات الكتابة المعاصرة و ليست تسمية لشكل شعري على إطلاقه .أو لنقل تصنيف لهذا الشكل الشعري بإلصاق أهم تقنياته باسمه فكما رأينا أدق المسميات المطروحة للآن (القصيدة التشعبية) يعتمد التسمية الوصفية للتقنية مضافة لاسم الجنس الأدبي الأصلي.


و هنا يطرح السؤال المهم نفسه هل نحن حقًا بصدد تغير جيني طافر في الجنس الشعري بحيث نحتاج لهذا التهافت في البحث عن مسمًى مستقل له ؟ أم أن الأمر لا يعدو خطوة على سلم التطور الطبيعي لشكل القصيدة من طورها الكلاسيكي القديم ؟
إن ما قدمه هذا الشكل لأدبنا العربي حتى الآن ليس سوى الكتابة المعتادة متوسلة أدوات محتملة كالصور و الصوت و تشعب الكتابة نفسها من داخلها مع تمسكه باللغة الشعرية و جمالياتها كدعامة لها . ما يشبه ما فعلته قصيدة عندما انتصرت على حساب بطولة الصوت لصالح الشعرية ذاتها.
غير أنه كغيره من أشكال الشعر العربي التي استحدثت يومًا ما زالت يسبق بخطوات اجتهادات النقد المواكب.
فإذا كانت الكتابة الكلاسيكية قد أنتجت خطابها النقدي المتمثل في الانطباعية وفلان أشعر من فلان والصور البلاغية القصيرة اللي تلتقطها الأذن إن الكتابة فرضت نقدا موائما متمثلا في وحدة الخطاب ودلائلية المستوى الطباعي وسيميائية الغلاف باعتبارها أدوات النص المطبوع
ترى ما هو المنتج النقدي الذي ستفرضه هذه النصوص الطارئة؟
معجم مصطلحات الانترنت. ديسمبر 7, 2010. معجم مصطلحات الانترنت.

شوقي بزيع – هل فرغت قبعة الحاوي من الحيل المدهشة؟ الوطن القطرية 17-04-2011


شوقي بزيع – هل فرغت قبعة الحاوي من الحيل المدهشة؟

علي الدمشاوي

رئيس مؤسسة تودوسناس الثقافية سكرتير حركة شعراء العالم بقطر



الشاعر شوقي بزيع من مواليد العام 1951  في زبقين بصور و له عدد غير قليل من الدواوين الشعرية هي :
عناوين سريعة لوطن مقتول 1978 ،الرحيل إلى شمس يثرب 1981 ،أغنيات حب على نهر الليطاني 1985، وردة الندم 1990 ،مرثية الغبار 1992 ،كأني غريبك بين النساء 1994 ،قمصان يوسف 1996 ،شهوات مبكرة 1998 ،فراديس الوحشة 1999 ،جبل الباروك 2002
سراب المثنى 2003 ،عناوين سريعة لوطن مقتول 2005 ،وردة الندم 2005 ،ملكوت العزلة 2006 ،صراخ الأشجار 2007 ،لا شيء من كل هذا 2007 ،كل مجدي أنني حاولت 2007  و كتابا نثر هما : ابواب خلفية 2005 و هجرة الكلمات 2008 
و كان بالنسبة لجيلنا من الشعراء الجيل المولود مع بداية إصدار بزيع لدواوينه عتبة دهشة و بوابة عالم الصورة السحرية ، أذكر منذ عشر سنين كنا في مصر نتهافت على دواوينه نبتاعها و نستعيرها من المكتبات العامة  و نقرأها فرادى و جماعات في البيوت و المنتديات و الحدائق ربما بوصفه المفاجأة التي تلت انبهارنا الكبير بنزار قباني و الذي بغرور المبتدئين كنا بدأنا عفوًا في النظر  لأعماله كمرحلة بدائية من الكتابة لا بد الآن من تجاوزها فرأينا في كتابات بزيع المخلص إن جاز التعبير من سحر الأسبقين و المبشر بكتابة لم نشهد مثلها حتى أنزلنا بعض أعماله منزلة منابع الإلهام الكبرى من ذلك مثلا قصيدتاه : : كوابيس لعرس الحبيبة ، و كيف تصنع قطرتان من الندى امرأة؟ ، و هما من كتاباته المبكرة جدًا .
في الأولى يغرد بزيع بجمال حبيبته و يحولها بعصا سحرية إلى أسطورة كونية يقارن اسمها بالسنابل و  وابتسامتها بالغيوم و يقر أن ترديده اسمها هو ما ينسيه رغبته في الانتحار " و لا أحدد ، لا أردد اسمها إلا لأنسى من جديد رغبتي في الموت"
كانت القصيدة قصيدة حب مراهق بامتياز حتى انتشر بين جيلنا أنها أروع ما كتب في شعر الحب العربي.
كان بزيع في هذه المرحلة اعتمد التصوير الشعري بطلا لجماليات النص و اقرأوا ( مسافة ) من بكريات نصوصه القصيرة :
"كل امرأةٍ أحبها تؤكد استحالة النساء ،
فكلما مشيت خطوة على طريق روحها
أعود خطوتين للوراء
و كلما طوقت خصرها بساعدي تراجعت إلى الخرافة
كأن ما أحب ليس امرأة بعينها بل المسافة ..."
في مسافة بزيع يمكنك أن تبصر جليا كيف اهتم بحشد فسيفسائه ليصنع صورة تمتد لتصبح مشهدا متحركا كاملا تاركًا مخيلته تسحبه كأنما لا ينتبه لروعة المفارقة بين المرأة و المسافة لا يستطيع أن يقاوم إغراء التشبيه.
و في الثانية يستعرض بزيع قدرة أخرى بعيدا عن قدراته التصويرية المذهلة لنقل أنه يعتمد تقنية كانت طارئة على الكتابة بالنسبة لمعظمنا آنذاك و هي إن جاز التعبير تقنية (المونتاج السينمائي)  و التي كانت بحق أولى محاولات بزيع الواضحة للقبض على هيكل إنشائي للكتابة ليمنحه دور البطولة الجمالية للقصيدة عوضًا أو ربما دعمًا لقدرته المؤكدة على استمرار الصورة من سطر شعري إلى آخر ساحبا خيال المتلقي لعوالم لا توصف إلا عنده .
في كوابيس لعرس الحبيبة يقول :
"يحملها رجل باتجاه السرير الذي يشبه القبر ، ثم يهيل التراب على صدرها ."
صفقنا جميعا حين قرأنا هذه الصورة بل كنا نتقافز كأطفال إذن كانت الحبيبة التي ربما تعادل بيروت تزف إلى غيره فتضرب ليالي الشاعر كوابيس الحرب و هو يداخل بين طقوس الزفاف و فواجع الحرب بتحكم خبير على مدار النص.
و الحقيقة أن اتجاه بزيع صوب البنية لم يخذله في ديوانه الأحدث نسبيا (قمصان يوسف) و الذي من عناوينه قميص الرؤية ؛ قميص الشهوة و هكذا حيث بدا الديوان مكتوبا كأنما على نول جهز الرجل خيوطه و هيأ بنية كاملة قبل أن يشرع في تقديم قطع فنية راقية داخل هذا البناء المتماسك .
حسنًا إذن فلشاعرنا هاتان القدرتان أو لنقل كانتا له قديمًا ، فالمتابع لكتاباته الأخيرة و لنتخذ مثلا ديوانه "صراخ الأشجار "  الذي فيه ينتصر بزيع للبنية و ليس عن اختيار كما يبدو لقد اكتشف الرجل أن سحر الصورة ينفد من رأسه و أن قدراته على الدهشة بالتشبيه تنفد هي الأخرى فمعظم صوره في دواوينه الأخيرة جاءة كإعادة طباعة باهتة لما رسمه في بداياته بألوان مبهرة و شيقة ، هل نفد رصيد خياله ؟ هكذا يبدو  . فوضع البيض كله في سلة البناء ظانًا هذا يعبر به هوة التكرار أو ربما مراهنا على قصر ذاكرة التلقي .
ثم هل كسب الرهان على البنية ؟ الإجابة عندنا هي لا بكل تأكيد فالبنية وحدها ليست سوى هيكل لا يقدم بطولة جمالية و لا يمكن له أن يفعل إنها معرض مهيأ لاستقبال جماليات و ليست قيمة جمالية بذاتها .
ربما يفسر هذا السناريو المتكرر في تاريخنا الشعري و هو ما يحدث غالياً عندما تغادر الروح جسد الكتابة تاركة إياها جثة هامدة في تابوت مزخرف تراجع شعبية مؤلفات بزيع لدى متابعيه من الشعراء و اقتصارها على بعض الجمهور العادي بالإضافة لشعراء مبتدئين يهتمون أكثر شيء بكتاباته القديمة التي ما زلنا نرى فيها مصدرا ملهما و معلما للشعراء في مراحل التكوين الأولى .

بين (عاش الهلال مع الصليب) و (الشعب يريد إسقاط الرئيس) الراية القطرية 19-05-2011

بين (عاش الهلال مع الصليب) و (الشعب يريد إسقاط الرئيس)

فصل في الفصل بين بلاغتين

علي الدمشاوي

رئيس مؤسسة تودوسناس الثقافية – سكرتير حركة شعراء العالم بقطر


لنسلم أولاً أن بلاغتنا العربية حية تنمو في العقول و القصائد و حتى الشوارع و المقاهي العربية و أن ماء محاياتها هو تناوب دور البطولة بين عناصرها المختلفة مرورًا بعصور عشناها نحن و أسلافنا .
في المدرسة الثانوية تعلمنا أن نستظهر عن غيب هذين التعريفين للبلاغة : البلاغة أن تبلغ بالمعنى نفس السامع ، و البلاغة أن توجز فلا تخل و تطنب فلا تمل .

ثم علمنا الجرجاني أن اللغة إصطلاح أي أن المجتمع يصطلح على كون هذه المجموعة من الحروف مرتبة في ترتيب ما تعني معنى ما و لو اصطلحوا من قديم على غيره لصار هو المعنى و ضرب مثلا بحروف ال (ض / ر / ب ) فقال أن ما خلق الفرق بين معنيي كلمتي ضرب و ربض هو إصطلاح الناس .
 ليس إلا الناس هم  من يخلقون بلاغتهم إذن .
فبلاغة (عاش الهلال مع الصليب)  التي بلغت نفوس السامعين حتى ذاعت على ألسنتهم 1919  ليست هي هي بلاغة (الشعب يريد إسقاط الرئيس) 2011 .
 فبتحليل جمالي كلاسيكي سريع للجملتين تجد الأولى كناية في مجملها ، تحوي استعارة مكنية حيث شبه الهلال و الصليب بكائنين حيين يعيشان ثم حذف المشبه به و كنّى عنه باللفظ عاش و أبقى على المشبه بالإضافة لكنايتي الهلال و الصليب عن الإسلام و المسيحية.
و درءًا لشبهة الانتقائية أسوق مثلا آخر  يعتمد الموسيقا الظاهرة القديمة ز هو الهتاف الثوري المصري التاريخي (الاستقلال التام أو الموت الزؤام).
أما الجملة العبقرية الثانية فهي ليست سوى حقيقة (الشعب يريد إسقاط الرئيس) إنها تقرير واقع ، جملة خبرية بامتياز عارية من الزخرف البلاغي العتيق تنوب عن جماليات اللغة كلها في التعبير عن مشاعر الملايين.
و الآن و وفقا للتعريفين الكلاسيكيين المدرجين سابقًا فأي الجملتين أبلغ لنفس السامع الحي ؟ وأيهما أوجز و لم يخل؟ بالطبع هي الأكثر رواجا على لسان ثوار يناير و من ثم من لحقهم من الثوار لأنها بلغت نفوس الناس فجرت على لسانهم .
نحن ببساطة أمام بلاغة جديدة أو بالأحرى نحن نقف أمام طور جديد للبلاغة العربية يغاير ما سبق عليه من حيث أنه أعطى بطولة الجملة للتقرير عوضًا عن التشبيه و الاستعارات و الكنايات و أدوات سابقتها و لنقل سوابقها من البلاغات و لم يتخل عن الأدوات التقليدية تمام النخلي أيضًا .
لا أدعي أن ملاحظتي ألمعية لم يسبقني لها أحد و إنما أردت أن أنبش الجذور المجتمعية لاختلاف آداب اليوم عن آداب الأمس و أن أعيد التنبيه أن المتمسك بقياس الإبداع اللغوي المعاصر بأدوات النقد العتيقة كالذي يحاول التحليق بجناحي عباس بن فرناس.
كلنا كنا شهدنا في منتدياتنا الأدبية صراعات شهيرة بين أنصار قصيدتي النثر و أنصار قصيدة التفعيلة و بين أعمدة الفريقين ثم شهدنا صراعات شبيهة بين موالي قصيدة النثر و موالي قصيدة ما بعد الحداثة ، سبق ذلك كله بصراعات أخرى شبيهة أيضًا بين أنصار كل اتجاهين أدبيين يلحق أحدهما الآخر على سلم الزمن .
في الأخير و بفضل الثورات العربية الحديثة أصبح جليًا ان المجتمع في عمومه و ياللعجب أوعى و أدرك من المثقفين و المبدعين و الشعراء فيم يخص مسألة التطور البلاغي.
 المجتمع مصنع اللغة انتصر للتصالح بين البلاغات في صوغه بلاغة لا تعترف بقالب بعينه لينطق عنها غضباتها و تغزل عليه طلباتها و إنما بلاغة وليدة تصل ين تاريخها اللغوي المديد ، نتج عن ذلك هتافات شارعية بليغة كقصائد عصرها بعضها يقر الموسيقى الظاهرة و بعضها يعتمد الصورة البسيطة و بعضها و أكثرها ذيوعا لا يقدم من البلاغة القديمة شيئًا و إنما ينتصر و لأول مرة للتقرير الخبري عوضا عن كل الزخرف العتيق الذي يبدو شاذًا في هذا الزمن .
في مقابل هتافات الثورات القديمة التي كانت أيضًا كقصائد شعراء عصرها تشترط الموسيقا الظاهرة و الصور المركبة لتنطق باسم الجماهير و المجتمع.

اقرأوا قصائد شعراء اليوم اقرأوا هدى حسين و أحمد يماني و لوركا سبيتي و من عاصرهم و جدوا لي نصًا رائجًا و احدًا يعتمد الجماليات العتيقة كبطلة له ،  لا شاعر ينتمي لعصره اليوم يراهن على الصورة المركبة و الموسيقا الظاهرة و لا يراهن على تغييبهما قسرًا في تقليد لسقطة شعراء النثر الشهيرة .
هل اللغة تفككت؟ و هل كان (مارتن إدجار) محقًا عندما قال أن اللغة الإنسانية بصدد التحلل لأن الناس لم يعد بوسعهم التشدق بالمصطلحات بل سيففكونها إلى مركباتها الأبسط ؟
و أحرى بجيل الأساتذة من اللغويين إزاء تطور البلاغة الثوري أن يقتدوا بفعل أندادهم من السياسيين إزاء ثورة الشعوب و يمنحوا أنفسهم برهة للتأمل قبل أن ينخرطوا في نوبة لعن غير مبررة لما قد لا يستوعبونه و يريحوننا و يريحون الكتابة من كتاباتهم النقدية التي ظلوا لعقود يلقونها علينا من صوامعهم العلية ظانين أنهم الحكماء و حماة اللغة بعدما تأكد للمجموع أن من مجمل ما تعطفوا علينا به من نظريات للنقد - إن صحت التسمية - لم يمس شعرة واحدة من رأس كتابات اليوم و أنه للأسف سقط تحت أقدام البلاغة .
البلاغة ببساطة هي الكائن المستقر على الزحف الكائن الذي لا يقبع ليتأمل و إنما يركض رشيقا على خط الزمن تلحقه أعين الراصدين و النقاد و الذين يعضهم ثبتت عيونه على نقطة على خط الزمن ليس عليها الآن سوى طيف كائن مضى كائن كان هناك حقًا لكنه مضى.
و مرة أخرى نجد أنفسنا أمام نفس التساؤل متى ننتج نقدًا عربيًا معاصراً حقيقيًا ؟ متى يستجيب الراصد البلاغي للطاريء البلاغي؟


بحث هذه المدونة الإلكترونية